أبي طالب المكي
18
علم القلوب
[ و ] كما قطع اللّه تعالى بالمزيد لأهل الشكر ، كذلك قطع أيضا بالذكر منه لأهل الذكر ، ولم يستثن فيهما ، فقال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] ، فما من عبد يذكر اللّه ، إلا واللّه يذكره . فقال بعضهم : اذكرونى على وجه الأرض ، أذكركم في بطن الأرض . كما قيل : إن الميت إذا وضع في قبره ، وانصرف عنه المشيعون من أهله ، وتركوه وحيدا في لحده ، يقول اللّه عز وجل : ملائكتي ، غريب قد نآى عنه الأهلون ، ووحيد قد جفاه الأقربون ، قد كان في الدنيا ذاكرا ، ثم يقول : عبدي خذلوك ، عبدي رفضوك ، وعزتي وجلالي لأنشرن عليك رحمتي . وقال بعضهم : اذكرونى عند المعصية بحل الإصرار « 1 » ، أذكركم في القيامة عند رؤية النار ، كما حكى في الأثر أن اللّه جل ثناؤه قال في بعض كتبه : عبدي ، استحى منى عند المعصية ، أستحى منك غدا يوم القيامة ، ولا أعذبك بنارى . وقيل : اذكرونى وأنتم لي ، أذكركم وأنا لكم . كما قيل : إن اللّه تعالى يقول في بعض أسفار الأنبياء : عبدي ، أنا لك ، فأنت لمن ؟ وأنا معك ، فأنت مع من ؟ . وقيل : اذكرونى بنسيان غيرى ، أذكركم وأكشف الحجب [ لكم ] عن وجهي حتى تنظروا بنورى إلى نوري . وقيل : اذكرونى بالقلب ، والجوارح ، واللسان ، أذكركم بالرؤية ، والجنة ، والرضوان ، فذكر اللسان جزاؤه النظر إلى الرب . وقال أبو يزيد البسطامي : العجب ممن يقول : ذكرت ربى وأنا أجتهد على أن أنساه فلا أنساه ، ثم أنشأ يقول : اللّه يعلم إني لست أذكره * وكيف أذكر من لست أنساه ويقال : إن قوما من الفقراء دخلوا على الشبلي ، فقالوا : ما تقول في الذكر ؟ فأنشأ يقول : عجبت لمن يقول ذكرت ربى * وهل أنسى فأذكر ما هويت ؟ ثم قال : الذكر حرفة الغافلين ، والزهد حرفة البطالين ، والمحاسبة حرفة
--> ( 1 ) الإصرار : تأكيد العزم على معاودة المعصية .